top of page

الجزء الأول - #جيل_الضياع

  • صورة الكاتب: Harethyat | حارثيات
    Harethyat | حارثيات
  • 28 يونيو 2022
  • 5 دقيقة قراءة

تاريخ التحديث: 13 مايو 2023



لا أتحدث اليوم عن "الجيل الضائع" المعروف تاريخيًا منذ سنة ١٨٨٣- ١٩٠٠ ميلادي والذي هلك شبابه في مقتبل أعمارهم وبداية حياتهم بالحرب العالمية الأولى والتي كان ضحاياها أكثر من أربعون مليون شاب ما بين قتيل ومصاب، ثم ألحقت الإنفلونزا الأسبانية على من نجا مطاحن المعارك بضحايا أكثر من خمسون مليون شخص، ويبقى من بقي منهم.


ليخوض ما تبقى من حياته خلال الثورة الصناعية مصارعًا التطورات السريعة في نمط الحياة الاقتصادي، ثم يدور عليهم الزمان ليرسلوا أبنائهم لساحات معارك الحرب العالمية الثانية ملمًا بالرحلة المهلكة التي أهلكهم بها. ودعنا هذا الجيل في عام ٢٠١٨ من خلال وفاة السيدة نافي تاجيما, آخر من تبقى من هذا الجيل والتي عاشت ١١٧ عام لتغلق معها فصل من فصول التاريخ و صورة من صور الأجيال الماضية التي صنعت عالمنا اليوم.


أقر التاريخ بأن لا جيل مر عانى الأمر كالجيل الضائع. ترعرع ليهلك في الحروب والأمراض وعاش للاضطرابات النفسية المصاحبة لنمط الحياة المتقلب والصراع التربوي بين حب الضنا والإيمان بالقضية البشرية. ينظر التاريخ لهذا الجيل من منظور الحضور الجسدي وكيف فقدانهم، يفقد الأمل والأثر الذي من الممكن أن يكون لو أتخذ التاريخ مجراً آخراً.


لا أتطرق في مقالتي هذه عن الضياع الجسدي الذي يفقد الحضور والوجود للكائن، بل أتطرق للضياع الروحي و وجود النفس و القرار. الضياع الذي يمنع الشخص من الثبوت على مبدأ و يجعله متذبذب ذهنيًا واجتماعيًا بين مقر أو معارض. تذبذب يصنع الاختلاف في الشخصية ينعكس على قراراتنا اليومية و مبادئنا السنوية.


وكقاعدة عقلانية عالمية، لكل فعل، ردة فعل. ومع كل ثورة تندرج تحديات مصاحبة. فكما الثورة الصناعية عكست تغيرات محورية في حياة الفرد في الماضي، الثورة المعلوماتية تجتاح هيمنة حياتنا لتصنع لنا حزمة من مصادر المعرفة والمعلومات لم تكن متوفرة من قبل للإنسان. قنوات طغت على القنوات التقليدية الخاضعة لسيطرة آبائنا وأجدادنا، مزعزعة أهم الأسس والمبادئ المبرمجة منذ عقود. أصبحت المعلومة سهلة، والقضية دارجة ، وصار هنالك قبول لكل غير مقبول. في خضم عقدين، اُتخمت شتى المواضيع بالأراء و أصبح لكل مسعّر حرب جيش واشتد الزحام الفكري من عدم.


فنشأ جيل بين ١٩٨١-١٩٩٦ ميلادي , أطلق عليه جيل الألفية "Millennials" ترعرع على برنامج اجتماعي محافظ عريق تبرمج منذ ١٠٠ عام، يحد من التذبذب والإنحلال عن القطيع ، يرفض أي اختلاف أو تغيير عن توجه الجميع. وشبّ على ضخم فكري تبثه شتى القنوات الإفتراضية عارضاً له إمكانية أن تكون وبهاء الفردية والاستقلالية في الشخصية. ضاع بين البحث في الـ"أنا" وإمكانياتي و سبب الوجود. هل لي تأثير أم مجرد زائر لكي يا أثير؟ هل إبر الأب أم أجد لنفسي حب الحب؟


تذبذب فكري منعكس على شتى نواحي حياتنا، درسنا وأسسنا على مبادئ لا نرى لها الآن وجود أو تأثير. وتستمر وكيبة التطور في نمط حياتنا بشكل سريع، يجعلنا لا نتعرف على أنفسنا بضع سنين مضت. تطور سريع يتطلب ممارسة الأفعال قبل أن أفكر في القرار، غير من شخصياتنا و من طريقة تفكيرنا من غير علم منا. فتحدثت أنماط حياتنا من دون أن تتحدث مبادئنا وأفكارنا مما سبب تعارض كبير بين ما نفكر و نؤمن به، وما بين ما نفعله ونمارسه في حياتنا اليومية. أصبح الفرد منا ذو شخصيات متعددة تظهر وتتبلور حسب البيئة المحيطة. وكثرت البيئات سبب تشتت في الشخصيات، ليصبح البعض مننا قد تبان عليه أنماط شخصيات متعددة خلال يوم واحد. يطلق البعض عليه نفاق أو استشراف أو غيره، لكني لا أراه إلا ردة فعل بشرية طبيعية للبيئات المحيطة بنا وتذبذبها عن بعض. نرغب بالإنتماء ونخشى الوحدة و نطمح للتميز عن الجميع.


نتعايش اليوم بين عدة بيئات محيطة بنا مترامية التوجهات والآراء والمبادئ، نقفز من أحدهما إلى الأخرى دون وعي منا في ظرف لحظات معدودة. من سمرة مع أقاربي وأعمامي نتشارك بها هّم القبيلة إلى مساحة على منصة التويتر تناقش العادات والتقاليد وتصنفها رجعية. من سهرة وردية مع حب الحب نحلم ونرسم عالم وردي، إلى نقاش غداء مع أخواتي عن عرف الزواج ومن الوفي الذي يستاهل. بيئات متعارضة ومتفرقة تشكل شخصياتنا كل مرة نمر من خلالها، لبسنا وما زلنا نلبس عدة أقنعه في اليوم الواحد، تجعلني اطرح السؤال التالي للإجابة. هل تعرف الوجه الحقيقي لك و لأفكارك ومبادئك لو أزلنا كل الأقنعة؟ هل تعرف ما تؤمن به من مبادئ؟


آرائنا وأفكارنا التي نعرضها على والدِينا وأقاربنا ليست كالتي نتشارك بها مع زملاء العمل أو الصحبة الخاصة، ما نؤمن به قد لا نفصحه عنه في كثير من الأحيان. لكن هل نوافق ما نعارضُه من أجل بيئة معينة ننتمي لها؟ ما مدى أثر هذا العمل على شخصياتنا الحقيقية وما نؤمن به حقاً؟ هل تصّبُغنا و تلوّننَا لصالح البيئات المحيطة بنا يشتت من حضورنا الفكري والروحي؟ حضورنا الذي يصنع من كل أحداً منا الشخصية الفريدة المستخلصة من تجارب عديدة. الحضور الذي يجعلنا ننظر للحياة من نافذتنا الفريدة. النافذة التي تنتج قراراتنا وأفعالنا و تمكنّنا من مخاطبة الحياة بلغتنا الخاصة.


من الطبيعي ومن المعروف أن تتطور أفكار الشخص ومبادئه خلال رحلة عمره وعلى مر السنين و من شتى التجارب المختلفة التي تضيف على فكره. لكن ليس من الطبيعي أن تتذبذب آرائنا التي نصرح بها لكل بيئة خوف من كابوس الإنتماء، فكل تصريح نطلقه هو أيضا رسالة نرسلها لعقلنا اللاواعي. قد لا نؤمن بها، لكن التكرار والنطق بها جهوريا قد يؤثر على المبدأ الأصلي أو في كثير من الأحيان، يجعلنا لم نقرر أو نتطرق للفكرة عموماً. فما الجدوى أن أتطرق واتفكر وأتخذ القرار وأنا في كامل الإيمان أنني لن أصرح به أو لن احارب من أجله. فتمرّكزنا في الطيف الرمادي، لا لوناً واضح لنا. لسنا بمعارضين ولا مقرين فأصبحنا سهلين ومن الممكن أن يتم التأثير علينا بسرعة. قابلين للتلوين ومن السهل أن يؤجج عطفنا فلان أو أن يقنعنا علان، وما المانع فنحن نغير آرائنا بشكل سريع و يومي. مما يجعلنا مرنين، قابلين للثني نحو أي إتجاه في غضون ثواني على منصة من المنصات.



لنصبح عبر الزمان، إلا من رحم ربي، أدوات استهلاكية إقتصادية نركض خلف الصرّعات وآخر ما هو حديث مسلمِين للمشاهير والمؤثرين ليتخذوا القرار عنا. مؤثرين يقررون عنا ما نأكل و آين نسافر، ما نلبس وكيف نغامر. ويتمادى الأمر مع البعض، ليسمح لهم بالتدخل في صنع المشاعر، فيأجج غضبهم أحداً و يثير عاطفتهم الأخر. وتسمح بعض الفتيات لمؤثرة بأن تعّرف وتصنّف الجمال ومعاييره، سامحتاً لها بأن تشكك بحبها لذاتها ولجمالها الذي خلقه الله في أحسن ما يكون وجعله فريد بوصفه. ويمتد طوفان المؤثرة إلى الجنس الآخر، ليصبح الشاب الراغب بالكمال في الجمال، يسعى خلف النسخة المتكررة "نسخة الباربي" حاصراً الجمال بالشكل الظاهر، ومتقاعساً عن معنى الجمال الحقيقي والذي يتخطى القالب الخارجي. الجمال الروحي والإنساني والوجداني في الفتاة، الجمال الذي يضيف حضورها على المكان و يرغّب الشاب بالتضحية بكل ما هو كان. فينتهي بنا الحال في معظم الحال، نختار بناءً على رغباتهم و وصفهم للحياة، لنعيش نحن ثمن اختياراتنا وأفعالنا. فكم شاب وشابة، نظروا للزواج من منظور مؤثر أو مؤثرة، دلع و هيام و سفر لكل مكان، ليتفاجؤا بوعورة الرحلة وتصبح حياتهم لا يطيقها كائن من كان.


يمر جيل الألفية بتذبذب فكري بين العرف و الحرام و بين ما يمارسونه بشكل يومي ويطمحون له. اختار البعض منهم عدم الخوض في الذبذبات المتناقضة و أراح يومه و حياته، ويواجهها البعض الآخر بعنف يوميا باحثاً عن الراحة الداخلية والجواب النهائي. سواء أمتنعت عن الخوض بها أم لا، وجودها وتأثيرها في حياتك لابد منه. وما الأفضل من أن تأخذ بزمام حياتك وأن تتحكم بمدى التأثير لتستخلص فائدة قد تغير نافذتك للحياة. فلا حلاوة للوصول بدون ضياع، ولا لذة للنجاح بدون صراع.


شاركنا صوتك أو مواضيع عانيت من بعض الضياع فيها في حياتك، قد نتطرق لها بشكل عميق وتضيف لنا و لجيلنا الكثير :)


بعد قراءة المقال، هل ترى نفسك من #جيل_الضياع؟

  • نعم ، هنالك عدة مواضيع متشتت فيها

  • لا ، لا اشعر بالانتماء للفكرة المطروحة بالمقال

  • لا أعلم، أنا ضايع :)


1 تعليق واحد


Taif AD
Taif AD
06 يوليو 2022

طرح مميز ومحايد لموضوع يلامس واقعنا ويثير تساؤلاتنا عن حقيقة أفكارنا وقناعتنا.

إعجاب

Thanks for submitting!

اشترك في القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك كل جديد من بهارتنا المختلفة نضيف على ايامك نكهات مختلفة و ولمحات ملونة.

  • TikTok
  • Instagram
  • YouTube
  • Twitter

تذوق بهارتنا على حساباتنا المختلفة

Uncopyright Content

 جميع الحقوق غير محفوظة ومسموح لك المشاركة او الإقتصاص او الإستفادة من المواد بأي طريقة تناسبك بشكل شخصي او تجاري. فقط أذكرنا بالمرجع و شاركنا دعوة خالصة.

bottom of page